محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

403

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

بعيد لم يُعْهَدْ مِثْلُه ، إنَّما يُجرح رجل معيَّنٌ بشيء معيَّن ، وأمَّا جرح قبيلة من المسلمين فلم يُعهد مثل هذا ، ولا نُقِلَ عن أحدٍ من أهل العلم . الحجة الثالثة : وفدُ عبدِ القيس ، ولم أعلم ما وجهُ تخصيصِهم بالذكر ، فإنَّهم من جملة الأعراب إلاَّ أنَّه ارتدَّ منهم من ارتدَّ بعد الإسلام . والجواب على ما ذكره من وجوه : الأول : أنّ إسلامهم يقتضي قبولَ حديثهم ما داموا مسلمين ، وردَّتُهم تقتضي ردَّ حديثهم من بعد أن ارتدوا ، ولا مانع مِن ورود التعبُّد بهذا في العقل ، ولا في الشرع المنقول بالتواتر المعلومِ معناه ، بل قد بيَّنا فيما تقدم قبولَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمن أسلم عقيبَ إسلامه ، والدليلُ عامٌ لوفد عبدِ القيس ولغيرهم . الثاني : إمَّا أن يكون السَّيِّد أنكر قبولَهم ، لأن من أسلم لا يُقْبَلُ حتى يُختبر ، أو لأنهم ارتدُّوا بعد الإسلام ، إن كان الأوّل ، فقد بيَّنا أنَّ قبولهم مشهور منسوب إلى طوائف الإسلام من الزيدية والمعتزلة والشافعية والحنفية ، وسائر الفرق ، وبينا الأدلةَ على ذلك وبيَّنا أنَّ أقصى ما في الباب أن لا يترجَّح للعالم موافقة الجماهير على هذا ، لكن لا يَحِلُّ له الإنكارُ عليهم وإن كان السَّيِّد يُوافق أنَّ قبولَ المسلمين في ذلك الزمان قبل الاختبار غيرُ منكر ، وإنّما أنكر قبول المسلم الذي يريد أن يرتدَّ بعد إسلامه ، فهذا لا يصح لأمرين : أحدهما : أنَّ العلم بأنَّه يُريد أن يرتدَّ من قِبَل علم الغيب الذي استأثر الله به ، وقد حكم أميرُ المؤمنين - عليه السلام - بشهادة شاهدين ، ثم انكشف أنهما شهدا من غير علم فلم يلزمه من ذلك محذور .